بعد غياب عشرة أعوام أو يزيد عادت قديسة الشعر سعدية مفرح لتفتح لمريديها أبواب صومعتها وتتلو علينا ما تيسر من الحلم /اليقين
اختارت أو وافقت على اختيار يوم ميلادها لتلتقي بنا محبيها وتعمدنا بماء الشعر وتطعمنا كسرة من خبز التحليق
اختارت لها السماء هذا اليوم تنبؤاً بأنها ستمطر فيما بعد على البشرية شعراً يحيي فيافي أرواحِ عطشى
جلست أنا الظامئة أزلياً بخشوع أتأملها وكل أوصالي ترتعش وقلبي يخفق وعيناي تبرقان بدمع الفرح..ها أنذا في حضرة ولية من أولياء الشعر...أفتح شبابيك روحي لأستقبل نسيمها المضمخ بورد الربيع
سعدية شاعرة رمت بكل مقاييس الشاعرات السابقات عرض السماوات واخترعت لها سماء مغايرة بأبعاد إضافية وألوان لم يسبق أن رأتها عين بشر....يتسلل صوتها رقيقاً كانسياب الماء تعبر بنا مفازات طفولتها وتأخذنا من يدنا برقة لتعرفنا على جدتها الرائعة نقف بهدوء معها بانتظار أن تكمل الجدة صلاتها ثم تلقي علينا قصائد الوجد والحرمان...أدخلتنا سعدية إلى بيتها القديم وأجلستنا مع نساء العائلة وقدمت لنا الجوز والزبيب...وبينما أنا مستمتعة أشم عبر كلماتها رائحة جدتي ..نقلتني والحضور بخفة إلى قصر منيف وألقتني بين يدي الأميرة ولاّدة بنت المستكفي وإذا بها تصيح
أنا والله أصلح للمعالي.. وأمشي مشيتي وأتيه تيها
ارتعبت وأصلحت من جلستي وخجلت من أنني استعرت هذا الاسم العظيم دون استئذان...لم تتركني سعدية لأتفاوض مع الأميرة وأبرر لها استعارتي لاسمها بل قررت أن تلقيني في واحات قصيدة جديدة لها..قصيدة لسعدية وصفتها بأنها لم تكتمل ..قصيدة بلا عنوان ..الآلهة أيضاً بلا عناوين فلم يحدث أن سمعت عن آلهة توزع بطاقات تعريفية في حفلات الاستقبال
أخذتني القصيدة لعوالم تهدهد الموت فيغدو طفلاً يكبر ليهدهدنا وبينما أنا أحاول التحقق من ماهية موتي وجدتني وجهاً لوجه أمام المتنبي ذلك الشاعرالمعضلة الذي أسهر الخلق فاختصموا بينما هو يشرب قدح من شاي البابونج وينام كالأطفال
كنت على وشك أن أشرب معه بابونج وإذا بيدان مألوفتان تسحبان كوب البابوج من أمامي رفعت رأسي وإذا بسعدية تبتسم وهي تشير للمعلم أحمد الربعي يناكفني بسحب الكوب ..فداك الكوب سيدي وقبل أن أسلم عليه وأتمتم: اشتقنا لك معلمي كان قد اختفى..وإذا بصوت درويش يحرض على الحب ويحذر منه ويصفه بالقاتل البريء ..وحدها محكمة درويش تقضي بالبراءة والإدانة دون أن تحفزني على التظلم
وحدها سعدية تركبني قطار الدهشة وتبدل الراكب الجالس بجانبي ألتفت فإذا بأمل دنقل في المقعد الملاصق لي وما أن يرتد طرفي حتى أجد أيليا أبو ماضي ..أمد يدي لأصافحة فإذا بيدي تصافحان السياب
قطار سعدية يعبر الأزمنة بخفة العصفور وجرأة الريح وتواضع الأولياء ..وفي أوج بهجتي تتبختر أم كلثوم تتقدمها كلمات الشاعرة لتفتح لها الطريق..وتفتح لي آفاق سعادة كدت أيأس من وجودها..أهمس بأذن زوجي بطفولة: هذا يوم من أسعد أيام حياتي على الإطلاق
يضحك ليذكرني بصغيري الذي يفجر هذه الجملة كبلون فرح تعبيراً عن احتفاءه بحدث مبهج
تنتهي الأمسية..يصفق الحضور ...يسكنني الارتباك...سعيدة بأمسية خيالية تمنيت أن لا تنتهي...اصطففت مع الحضور للسلام على الشاعرة ومن ثم الحصول على نسخة موقعة من كتابيها الجديدين المتوفرين...تخط لي كلمات لم أتبينها
ما أن خرجت من المكان مزهوة بكنزي الذي احتضنه ..فتحت الغلاف لأقرأ فباغتتني رائحة المطر فقد ختمت كلماتها بجملة
كم أحبك
انتابني دوار لذيذ واغرورقت عيناي مجدداً...وددت لو استعرت بعض الجرأة ودخلت القاعة التي خرجت منها للتو لأصرخ ملء وعيي كم أحبك سعدية
وبما أنني كبحت دون وجه حق شهوة البوح...فسأترك العنان لنفسي أن أصرخ هنا في أرجوحتي بقعة الأمان بالنسبة لي أو كما يسميها الفرنجة كومفرت زون
أصرخ
كـــــــــم أحبــــــــــكِ سعــــديـــــــة
كـــــــــم أحبــــــــــكِ سعــــديـــــــة
كـــــــــم أحبــــــــــكِ سعـــــديـــــة


