
يقول المثل الشعبي أن المركب مشي بشرايك (أي والعياذ بالله ضرائر ) وما مشي بحريم حمى (سلايف باللهجة الشامية )...وترجمته إلى الفصحى أنه من الممكن للضرائر أن يتوافقن ولكن لا يمكن لزوجات الأخوة أن يتفقن أبداً
ولقد كانت إحدى الفاتنات قد ذاقت الويل من إحداهن وبلغت الحرب أشدها في رمضان حين كن يتنافسن في الطبخ حيث يجلسن على المائدة بشكل يومي مع أزواجهن والعم (والد الزوج) والخالة (أم الزوج) ويبدأ مسلسل التنكيل من خلال الأطباق...بالتفنن بها من جهة والحط من قدر أطباق الخصم من جهة أخرى ..مع الإشارة إلى أنهن يسكن في البيت ذاته ولكل منهن مطبخها الخاص في ملحق المنزل ...هذا وقد حازت الخصم على رضى العم من خلال طبق تشريب فعقدت الشلة اجتماع طاريء وعاجل لمناقشة تداعيات الموقف وإعادة تقييم الأمور ورص الصفوف من أجل إلحاق هزيمة نكراء بخصم صديقتنا التي نعتبرها خصماً لنا جميعاً
بدأ الاستعداد بحصر كل وصفات التشريب الممتازة وتجربتها لاختيار أفضلها ثم اختيار أفضل أنواع اللحم حيث وقع الاختيار بالإجماع على اللحم النيوزلندي المبرد واختيار أجود أنواع الرقاق والذي يباع بالمناسبة بجانب سوق السمك
المهم في اليوم الموعود كنا نطمئن على صديقتنا الفاتنة التي استأذنت من عملها إيذاناً بإشعال نار القـِدْرِ التي ستحرق العدو..ومع أذان العصر اتصلت الصديقة إياها شاكية باكية لاطمة وقالت: تسللت إلى مطبخ الخصم والكل نائم وتذوقت المرق الذي ستشرّب به ووجدته طيب المذاق ناطع !مصيبة!...وبما أننا كنا ثلاثة على الخط...قفزت الأجرأ وقالت : خربي المرق بإضافة أي شيء ..ملح ..بهار.. خل..هنا صاحت فاتنتا: وجدت قنينة خل أبيض ماركة هاينز وسأسكبها كلها في الحال ..مع السلامة أحبكن جميعاً ادعو لي
بعد أن أغلقت السماعة اتصلنا بصديقة ثالثة وأخذت قلوبنا تخفق من الرعب أن تنكشف المتعوسة وتكون فضيحتها بجلاجل أمام زوجها وحمولتها...فتمتت إحدانا: يا الله سترك يارب ..يا الله تستر على صديقتنا..يا الله عليك ولا على غيرك يا الله..ونحن نردد بخشوع آآآآآآآآآمممممممييييييييييييييييييييييييييييين
جلست كل منا على مائدة الإفطار مع زوجها أو أهلها أو أهل زوجها وكل تفكيرها بنتائج خطة التشريب...الكل كان سارح الفكر ...مشغول البال...وقد تمكن منا القلق فما أن أذن لصلاة العشاء وخرج الأزواج بعضهم للمسجد والبعض الآخر لقضاء حاجاتهم حتى أسرعنا لنتجمع في بيت إحدانا منتظرات نتائج المغامرة
طلبنا منها التفاصيل فقالت: عدت أدراجي إلى شقتي ومرت على الثواني ببطء ..قبل الإفطار بدقائق نزلت لمطبخي وشرّبت تشريبتي...في هذه الأثناء كانت زوجة حماي في مطبخها تشّرب تشريبتها ولم يبد عليها أي استياء
صُفّت الأطباق وقال المؤذن الله أكبر.. أفطر عمي وزوجينا على تمرة ثم ذهبا للصلاة ونحن نتراشق بالنظرات شزراً شزراً على المائدة وكأننا قطط ما أن عاد الرجال حتى قالت زوجة حماي: عمي أحط لك من تشريبتي اللي تحبها !! وهنا كتمت ضحكة كادت تهرب مني عنوة ..تناولت صحن العم وملأته بتشريبتها..ما أن وضع أول لقمة حتى صرخ: ما هذا ؟ ما هذا الطعم؟ وهنا ناولت عمي كوب ماء كنت قد حضرته سلفاً وقلت: اسم الله عليك عمي اشرب ماي عمي اشرب ماي ..وأخذت الصحن بعيداً عنه وجلبت صحن جديد وملأته بتشريبتي...نظر عمي إلى الصحن وكله ريبه وتناول لقمة صغيرة جداً ما أن مضغها حتى تهللت أساريره وقال: خوش تشريبه تسلم إيدك بنيتي....تذوقت الخالة تشريبة زوجة حماي لتعرف مشكلتها فقالت لها: يبدو أنك أضفتِ لها خل فأجابت: لا والله هل يعقل أن أضع خل؟ عندها أجبتها: أو من الممكن أن يكون اللحم الذي استخدمتيه فاسد وهذا هو الاحتمال الأرجح...فسكتت حتى كأنها فقدت النطق...في هذه الأثناء تذكرت أنني نسيت زوجي الذي كانت نظراته تلاحقني بريبة ..تناولت صحنه وملأته بالتشريب بكل فخر واعتزاز..هذا ولا يسعني إلا أن أتقدم لكن أيتها الفاتنات بكل الشكر على الدعم اللوجيستيكي والمعنوي الذي غمرتموني به والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وهنا تعالت أصوات الهلاهيل الرطيبة ألف الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله محمد جلولولولولولولولولوش
الأوله ذكر الله ..لا اله الله
والثانية الحمد لله..التشريب شرّبناه
واللي شمت..فينا سكت..سكت
وقلب العدو حرقناه
إي والله
.
.
ختامها بيت
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى
وتبقي حزازتُ النفوسِ كما هيا
زفر بن الحارث الكلابي