كما أن 70% من جسم الإنسان ماء ..فإن 70% من تاريخ الكويت السياسي المعاصر مرتبط بطريقة أو بأخرى بأحمد السعدون..فمنذ أن بدأت بمراقبة الساحة السياسية وهذا الجبل الشامخ "علم" و "مَعْلَم" من معالم المسيرة السياسية في جيلها الثاني ...نختلف معه ونتفق كشأن كل السياسيين إلا أننا لا نملك إلا أن نقف لهيبته احتراماً
أيام دواوين الأثنين ...ذهبت مع صديقاتي دون علم أهلنا -كنا بنات مدارس غير مسموح لنا بالمشاركة - ...إلى تجمع مسجد فاطمة...أذكر جيداً المسيرة السلمية حيث في الصف الأول الخطيب والسعدون والربعي ..الوجوه الوحيدة التي ميزتها بعمرى الغض في حينها
كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها السعدون "على الهواء مباشرة" ...وجدتني أغني له مع عبد الحسين
نظرة عيونه تكهرب...وأرررررررررتجف لا طالعتني
شيء ما في هذا الرجل ...يوحى بأنه كان ملكاً من ملوك الروم ...فاتحاً من خلفاء الأمويين ...نبيلاً من نبلاء العصور الوسطى ..كل ما فيه ينضح نبل ورفعة وفي الوقت ذاته تجده "بروليتارياً" في انحيازه للشعب على الدوام في كل صِدام بينه وبين السلطة
مراجعة لتسجيلات دوواين الأثنين كفيلة بأن تكشف أنه كان نجمها الساطع بلا منافس..إعادة للنشاط الشعبي إبان ضياع الدولة واختفاءها بفعل الغزو العراقي نجد أن السعدون كان متصدراً للقضية من جهة والمفاوضات مع السلطة التي نكثت العهد (الدستور) من جهة أخرى.
السعدون سياسي بالفطرة ..يشم رائحة التغيرات قبل أن تحدث كما تتنبا الطيور بالعواصف قبل قدومها...وله نظرة زرقاء اليمامة تخترق المدى الأبعد .. لا نفهمها في حينها لكننا نقدّرها لاحقاً حين نلهث خلف خيوله آلاف الأميال وتنقطع انفاسنا..ثم نقول: نعم كان مُحقاً
لقد استغرب البعض انحيازه لأبناء القبائل في وقت مبكر ....وكلفه هذا الانحياز عداوة الصقر والخرافي والتيار الذي يطلق على نفسه اسم تيار وطني في حين أن هذه تسمية إقصائية بغيضة تحصر (الوطنية ) في فئة دون غيرها
لقد فهم باكراً لعبة السلطة في تمزيق الشعب بين حضر وبدو ....وعزلهم جغرافياً مما يمعن في العزل المعنوي والاجتماعي الذي يقود لاحقاً لعزل سياسي يجعل السلطة في موقع أقوى
السعدون مد جسور الوصل قبل سواه ...ولحقنا به بعد عقد أو يزيد حين اكتشفنا اللعبة متأخراً
السعدون كان أول الحضور في حملة "نبيها خمسة "..وكان أولهم في حملة "إرحل " دون إمعان في الحسابات الانتخابية وهو الذي ينتمى لدائرة قد لا تؤمن بهذا الحراك وربما تشكك به ..إلا أنه ينحاز دوماً للتطور السياسي
سخّرت السلطة للسعدون كتّاب يشتمونه كل يوم ...فلم يرفع قضية واحدة على أي شاتم ولسان حاله يردد
وَذي سَفهٍ يُخاطِبُني بِجَهلٍ
فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا
وحين تعرضت في تويتر لشتائم استشرت من أثق برأيهم في جدوى رفع قضايا خاصة وأنها تدخل في باب قذف المحصنات ...فقالوا لي : السعدون لم يرفع قضية واحدة على من شتمه ...أطرقت واجمة وقررت أن أحتذي بنعم القدوة
حين وصل السعدون لكرسي الرئاسة عام 1985 وصل بعد سنوات من المنافسة...وحين خسرته الرئاسة ولم يخسرها أصبحنا نسمع اتهام معلب من الحكومة والتيارات السياسية بأن معضلة السعدون الأساسية هي الرئاسة .. إلى أن تجرأ الخرافي واعتبرها أحد دوافع الصراع الدائر بين الحكومة والمعارضة وأحد أسباب تعثر العمل البرلماني في خطابه الأخير قبل أن ينتهى مشواره السياسي
التهمة بعيدة عن الواقع " كبعد عبدلي عن خط وفرة."..فأسهل طريقة للوصول إلى الرئاسة هي بمهادنة الحكومة لا معاداتها ..ولو كان فعلياً هذا هاجسه لما رأيناه يناكفها ويقف في وجهها وينحاز للشعب
وأكبر دليل على ان الطريق للرئاسة معبّد بمهادنة الحكومة والتنكر للقضايا الشعبية ...هو سلوك الصقر الطامع للرئاسة خلال الاحداث السياسية الاستثنائية في السنوات التي غاب عنها عن العمل البرلماني وهو ذو التصريح المشهور بأنه سيبتعد عن العمل البرلماني ولكنه لن يبتعد عن العملية السياسية
السعدون ..السعدون ...السعدون ...ماذا أقول أكثر؟
ختامها شعر
فلأنت فينا نعمة بل رحمة
يا أحمد المحمود باستحقاق
إبراهيم الأكرمي

0 comments:
Post a Comment